فخر الدين الرازي
99
المطالب العالية من العلم الإلهي
خارجة عن الحد والإحصاء ، موافقة لهذا المطلوب . وأما الأصل الثالث : فهو أن تعلم أن تحسين العقل وتقبيحه باطل ، لا عبرة به ، ولا التفات إليه ، في أفعال اللّه تعالى ، وفي أحكامه . وإذا عرفت هذه الأصول الثلاثة ، فحينئذ يظهر القول بصحة النبوات ، ظهورا ، لا يبقى فيها شك ولا شبهة . وتقريره : أن نقول : فاعل جميع هذه المعجزات هو اللّه تعالى [ لأنا بينا في الأصل الأول أنه لا مؤثر ولا موجد ولا مكون إلا اللّه تعالى « 1 » ] ثم نقول : وإنه تعالى إنما خلقها لأجل تصديق هذا المدعي . فأما قولهم : إنه يجوز أن يكون قد خلقها لأغراض أخرى . فنقول : ذلك التجويز قائم في الجملة . لأنا نقول : قد بينا أن قيام تجويز الوجوه الكثيرة قد لا يمنع من حصول القطع والجزم بواحد منها ، كما ذكرناه في المثال في القسم الثالث « 2 » فندعي : أن الأمر في هذه المسألة كذلك . والدليل عليه : أن موسى - عليه السلام - لما أمر القوم ببعض التكاليف ، فأبوا ، وأصروا طلب من اللّه - تعالى - أن يوقف الجبل فوق رؤوسهم . ثم إنهم كانوا يشاهدون أنهم كلما قصدوا الطاعة والامتثال ، فذلك الجبل ، يتباعد عن رؤوسهم ، وكلما قصدوا العود إلى العتو والإصرار والكفر . فذلك الجبل يقرب منهم بحيث خافوا من وقوعه عليهم . ومن المعلوم أن حصول هذه الحالة على هذا الوجه ، يفيد العلم الضروري بأنه تعالى إنما أوقف الجبل فوق رؤوسهم ، لأجل أن يتبادروا إلى الطاعة والامتثال . وتجويز أن يكون الغرض من إظلال ذلك الجبل . شيئا آخر سوى هذا المقصود ، لا يقدح في حصول العلم الضروري ، بأنه لا مقصود منه سوى ذلك . فإنا قد بينا أنه قد يحصل القطع والجزم مع قيام مثل هذا التجويز . فثبت بالأصل الأول « 3 » : أن خالق كل المعجزات هو اللّه تعالى ، وثبت بالأصل الثاني : أنه لا حكمة للّه - تعالى - في خلق تلك المعجزات ، إلا التصديق . وهذا يفيد العلم اليقيني بأن اللّه تعالى إنما
--> ( 1 ) سقط ( ت ) . ( 2 ) في المثال ( ط ) من الثالث ( ل ) ، ( طا ) . ( 3 ) فثبت بهذه الأصول ( ت ، ط ) .